وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَقَوْمٌ نَحَوْا إلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ لَا بِصَوْتِ وَلَا حَرْفٍ إلَّا مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ - وَهُمْ الْأَشْعَرِيَّةُ - فَهَذَا صَحِيحٌ ؛ وَلَكِنْ هَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كُلَّابٍ ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ كَانُوا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى مَا يَقُومُ بِهِ مِن الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
وَالْجَهْمِيَّة تُنْكِرُ هَذَا وَهَذَا فَوَافَقَ ابْنُ كُلَّابٍ السَّلَفَ عَلَى الْقَوْلِ بِقِيَامِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
وَجَاءَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ بَعْدَهُ - وَكَانَ تِلْمِيذاً لِأَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِي الْمُعْتَزِلِيِّ ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَقَالَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَّنَ تَنَاقُضَهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَبَالَغَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ حَتَّى نَسَبُوهُ بِذَلِكَ إلَى قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْوَاقِفَةِ - وَسَلَكَ فِي الصِّفَاتِ طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ .
وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ اتَّبَعَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُ : فَمَنْ قَالَ إنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ الْمَلْفُوظَ بِهِمَا عَيْنُ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَلِأَهْلِ الْحَقِّ فِيهِ رَأْيَانِ : رَأْيٌ بِتَكْفِيرِهِ وَرَأْيٌ بِتَبْدِيعِهِ إلَى قَوْلِهِ : وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْحَرْفَ اللِّسَانِيَّ وَالْحَرْفَ الْبَنَانِيَّ كِلَاهُمَا مُقَيَّدٌ بِزِمَامِ تَصَرُّفِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 178
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٨