بِمَا يُنَزِّلُ } فِيهِ إخْبَارُ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ ؛ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ بَيَانُ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ بِهِ وَلَا أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْهُ .
وَلَفْظُ " الْإِنْزَالِ " فِي الْقُرْآنِ قَدْ يَرِدُ مُقَيَّداً بِالْإِنْزَالِ مِنْهُ : كَنُزُولِ الْقُرْآنِ وَقَدْ يَرِدُ مُقَيَّداً بِالْإِنْزَالِ مِن السَّمَاءِ وَيُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ ؛ فَيَتَنَاوَلُ نُزُولَ الْمَطَرِ مِن السَّحَابِ وَنُزُولَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ يَرِدُ مُطْلَقاً فَلَا يَخْتَصُّ بِنَوْعِ مِن الإِنْزَالِ ؛ بَلْ رُبَّمَا يَتَنَاوَلُ الْإِنْزَالَ مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ كَقَوْلِهِ : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } وَالْإِنْزَالُ مِنْ ظُهُورِ الْحَيَوَانِ كَإِنْزَالِ الْفَحْلِ الْمَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَقَوْلُهُ : { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } بَيَانٌ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ بِهِ مِن اللَّهِ فَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُنَا هُوَ جِبْرِيلُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } { عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } وَفِي قَوْلِهِ { الْأَمِينُ } دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا أُرْسِلَ بِهِ لَا يَزِيدُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ فَإِنَّ الرَّسُولَ الْخَائِنَ قَدْ يُغَيِّرُ الرِّسَالَةَ كَمَا قَالَ فِي صِفَتِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } .
وَفِي قَوْلِهِ : { مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ } دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ : " مِنْهَا " بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي جِسْمٍ
مجموعة الفتاوى — صفحة 118
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٨