مِثْلُ ذِكْرِهِمْ : أَنْ الْحَسَنَ صَحِبَ عَلِيّاً .
وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ عَلَى أَنَّ " الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ " لَمْ يَلْقَ عَلِيّاً وَلَا أَخَذَ عَنْهُ شَيْئاً وَإِنَّمَا أَخَذَ عَنْ أَصْحَابِهِ : كَالْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَقَيْسِ بْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِمَا .
وَكَذَلِكَ حِكَايَاتُهُمْ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ اجْتَمَعَا لشيبان الرَّاعِي وَسَأَلَاهُ عَنْ سُجُودِ السَّهْوِ وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ لَمْ يَلْقَيَا شيبان الرَّاعِيَ بَلْ وَلَا أَدْرَكَاهُ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي " حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَمْثَالِهِ مِن الأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ مَا يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ جَعْفَراً كَذَبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكْذِبْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ مِن العِلْمِ وَالدِّينِ مَا مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهِ وَكَانَ هُوَ وَأَبُوهُ - أَبُو جَعْفَرٍ - وَجَدُّهُ - عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ - مِنْ أَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ عِلْماً وَدِيناً وَلِمَ يَجِئْ بَعْدَ جَعْفَرٍ مِثْلُهُ وَفِي أَهْلِ الْبَيْتِ .
فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالْبِدَعِ يَنْسُبُ مَقَالَتَهُ إلَيْهِ حَتَّى أَصْحَابِ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " يَنْسُبُونَهَا إلَيْهِ .
وَهَذِهِ الرَّسَائِلُ صُنِّفَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ صُنِّفَتْ عِنْدَ ظُهُورِ مَذْهَبِ الْإِسْمَاعِيلِيَّة العبيديين الَّذِينَ بَنَوْا الْقَاهِرَةَ وَصُنِّفَتْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ الَّذِي رَكِبُوهُ مِنْ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِ وَمَجُوسِ الْفُرْسِ وَالشِّيعَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : إنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ وَبَاطِنَهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 581
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٨١