وَهَؤُلَاءِ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ فِي كَثِيرٍ مِن الأُمُورِ بِأَهْوَائِهِمْ لَا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } وَلِهَذَا غَالِبُ وَجْدِهِمْ هَوًى مُطْلَقٌ لَا يَدْرُونَ مَنْ يَعْبُدُونَ وَفِيهِمْ شَبَهٌ قَوِيٌّ مِن النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ أَهْلَ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ .
فَحَمَلَهُمْ هَوَاهُمْ عَلَى أَنْ تَجَمَّعُوا تَجَمُّعَ الْأَحْزَابِ وَدَخَلُوا إلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحِرَابِ بِالْأَحْوَالِ الَّتِي يُعِدُّونَهَا لِلْغِلَابِ .
فَلَمَّا قُضِيَتْ صَلَاةُ الْجُمْعَةِ أَرْسَلْت إلَى شَيْخِهِمْ لِنُخَاطِبَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَتَّفِقَ عَلَى اتِّبَاعِ سَبِيلِهِ - فَخَرَجُوا مِن المَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي جُمُوعِهِمْ إلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ وَكَأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا مَعَ بَعْضِ الْأَكَابِرِ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى مَسْجِدِ الشاغو - عَلَى مَا ذُكِرَ لِي - وَهُمْ مِن الصِّيَاحِ وَالِاضْطِرَابِ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ .
فَأَرْسَلْت إلَيْهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْمَعْذِرَةِ وَطَلَباً لِلْبَيَانِ وَالتَّبْصِرَةِ وَرَجَاءَ الْمَنْفَعَةِ وَالتَّذْكِرَةِ .
فَعَمَدُوا إلَى الْقَصْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ قَدِمُوا مِن النَّاحِيَةِ الْغَرْبِيَّةِ مُظْهِرِينَ الضَّجِيجَ وَالْعَجِيجَ وَالْإِزْبَادَ وَالْإِرْعَادَ وَاضْطِرَابَ الرُّؤُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالتَّقَلُّبَ فِي نَهْرِ بَرَدَى وَإِظْهَارَ التَّوَلُّهِ الَّذِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 453
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٣