وَأَعْمَقُهَا عِلْماً وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفاً قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ " وَقَوْلِ جُنْدُبٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ مَكْتُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ خِلَافُ نُصُوصِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ } الْآيَةَ .
وَقَوْلِهِ : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ } الْآيَةَ .
وَقَوْلِهِ : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } الْآيَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْغَرَضُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ : الْكَلَامُ عَلَى خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا ظَنُّ طَائِفَةٍ كَابْنِ هُودٍ وَابْنِ سَبْعِينَ والنفري والتلمساني : أَنَّ الشَّيْءَ الْمُتَأَخِّرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِن المُتَقَدِّمِ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْعَالَمَ مُتَنَقِّلٌ مِن الابْتِدَاءِ إلَى الِانْتِهَاءِ كَالصَّبِيِّ الَّذِي يَكْبُرُ بَعْدَ صِغَرِهِ وَالنَّبَاتِ الَّذِي يَنْمُو بَعْدَ ضَعْفِهِ وَيَبْنُونَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى وَيُبْعِدُونَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَجْعَلُوا بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَاحِداً مِن البَشَرِ أَكْمَلَ مِنْهُ كَمَا تَقُولُهُ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالْقَرَامِطَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ فَلَيْسَ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ أَصْلاً .
أَنَّ كُلَّ مَنْ تَأَخَّرَ زَمَانُهُ مِنْ نَوْعٍ يَكُونُ أَفْضَلَ ذَلِكَ النَّوْعِ فَلَا هُوَ مُطَّرِدٌ وَلَا مُنْعَكِسٌ .
بَلْ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } أَيْ بَعْدَ النَّبِيِّ .
وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خيثَم : " لَا أُفَضِّلُ عَلَى نَبِيِّنَا أَحَداً
مجموعة الفتاوى — صفحة 368
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٨