الْأَوْلِيَاءِ فَنَقُولُ : هَذِهِ تَسْمِيَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا كَلَامٍ مَأْثُورٍ عَمَّنْ هُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولاً عَامّاً ؛ لَكِنْ يُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَنَّ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِن المُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ فِي الْعَالِمِ فَهُوَ آخِرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ .
وَنَقُولُ ثَانِياً : إنَّ آخِرَ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ خَاتَمَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحَقِّقُ أَوْ فَرْضٌ مُقَدَّرٌ .
لَيْسَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ مِن الأَوْلِيَاءِ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَهُمْ وَإِنَّمَا نَشَأَ هَذَا مِنْ مُجَرَّدِ الْقِيَاسِ عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ .
لَمَّا رَأَوْا خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ هُوَ سَيِّدُهُمْ .
تَوَهَّمُوا مِنْ ذَلِكَ قِيَاساً بِمُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ خَاتَمٍ .
فَقَالُوا : خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلُهُمْ .
وَهَذَا خَطَأٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ ؛ فَإِنَّ فَضْلَ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ خَاتَماً .
بَلْ لِأَدِلَّةِ أُخْرَى دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ نَقُولُ : بَلْ أَوَّلُ الْأَوْلِيَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسَابِقُهُمْ هُوَ أَفْضَلُهُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ .
وَأَفْضَلُ الْأَوْلِيَاءِ سَابِقُهُمْ إلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلِيَّ مُسْتَفِيدٌ مِن النَّبِيِّ وَتَابِعٌ لَهُ .
فَكُلَّمَا قَرُبَ مِن النَّبِيِّ كَانَ أَفْضَلَ وَكُلَّمَا بَعُدَ عَنْهُ كَانَ بِالْعَكْسِ .
بِخِلَافِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ اسْتِفَادَتَهُ إنَّمَا هِيَ مِن اللَّهِ .
فَلَيْسَ فِي تَأَخُّرِهِ زَمَاناً مَا يُوجِبُ تَأَخُّرَ مَرْتَبَتِهِ .
بَلْ قَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ مَا فَرَّقَهُ فِي غَيْرِهِ مِن الأَنْبِيَاءِ فَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ السَّابِقِينَ مِن الأَوْلِيَاءِ هُمْ خَيْرُهُمْ .
هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَنُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَيَتَّصِلُ بِهَذَا ظَنُّ طَوَائِفَ أَنَّ مِن المُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ وَيُوجَدُ هَذَا فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَإِلَى الْعِبَادَةِ وَإِلَى الْجِهَادِ وَالْإِمَارَةِ .
وَالْمُلْكِ .
حَتَّى فِي الْمُتَفَقِّهَةِ مَنْ قَالَ : أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ مِنْ عَلِيٍّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقَلَّدُ الشَّافِعِيُّ وَلَا يُقَلَّدُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَيَتَمَسَّكُونَ تَارَةً بِشُبَهِ عَقْلِيَّةٍ أَوْ ذَوْقِيَّةٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُتَأَخِّرِي كُلِّ فَنٍّ يَحْكُمُونَهُ أَكْثَرَ مِن المُتَقَدِّمِينَ .
فَإِنَّهُمْ يَسْتَفِيدُونَ عُلُوَّ الْأَوَّلِينَ مَعَ الْعُلُومِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي أَهْلِ الْحِسَابِ والطبائعيين وَالْمُنَجِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 366
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٦