الَّذِي لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْغِنَى وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن الكِبْرِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : فَقِيرٌ مُخْتَالٌ وَشَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ } وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ : { لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ جَبَّاراً وَمَا يَمْلِكُ إلَّا أَهْلَهُ } .
فَعُلِمَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ : أَنَّ مِن الفُقَرَاءِ مَنْ يَكُونُ مُخْتَالاً ؛ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ .
وَأَنَّ مِن الأَغْنِيَاءِ مَنْ يَكُونُ مُتَجَمِّلاً غَيْرَ مُتَكَبِّرٍ ؛ يُحِبُّ اللَّهُ جَمَالَهُ .
مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إلَى أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ } وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ هِرَقْلَ لِأَبِي سُفْيَانَ : أَفَضُعَفَاءُ النَّاسِ اتَّبَعَهُ أَمْ أَشْرَافُهُمْ ؟ قَالَ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ .
قَالَ : وَهُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ .
وَقَدْ قَالُوا لِنُوحِ : { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } فَهَذَا فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الرِّئَاسَةِ وَالشَّرَفِ يَكُونُونَ أَبْعَدَ عَنْ الِانْقِيَادِ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ؛ لِأَنَّ حُبَّهُمْ لِلرِّئَاسَةِ يَمْنَعُهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِينَ .
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ - إنْ كَانَ مَحْفُوظاً - { اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ } فَالْمَسَاكِينُ ضِدُّ الْمُتَكَبِّرِينَ .
وَهُمْ الْخَاشِعُونَ لِلَّهِ .
الْمُتَوَاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ .
سَوَاءٌ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 130
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٠