لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } الْآيَةُ فَقَالَ الرَّجُلُ : أَلِي هَذِهِ ؟ فَقَالَ : لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي } فَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ وَأَمْثَالُهُ لَا بُدَّ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَهُمَّ بِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ : { وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ } لَكِنَّ إرَادَتَهُ الْقَلْبِيَّةَ لِلْقُبْلَةِ كَانَتْ إرَادَةً جَازِمَةً فَاقْتَرَنَ بِهَا فِعْلُ الْقُبْلَةِ بِالْقُدْرَةِ وَأَمَّا إرَادَتُهُ لِلْجِمَاعِ فَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ جَازِمَةٍ وَقَدْ تَكُونُ جَازِمَةً لَكِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِراً .
وَالْأَشْبَهُ فِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّناً لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ .
فَتَفْرِيقُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ : بَيْنَ هَمِّ الْخَطِرَاتِ وَهَمِّ الْإِصْرَارِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَوَابُ فَمَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن الفِعْلِ إلَّا الْعَجْزُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَإِنْ فَعَلَهُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْعَوْدِ مَتَى قَدَرَ فَهُوَ مُصِرٌّ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْمُصِرُّ الَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ الْيَوْمَ ثُمَّ لَا يَشْرَبُهَا إلَى شَهْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةٍ وَمَنْ نِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى شُرْبِهَا " شَرِبَهَا " .
وَقَدْ يَكُونُ مُصِرّاً إذَا عَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ كَمَنْ يَعْزِمُ عَلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ هَذَا بِتَائِبِ مُطْلَقاً .
وَلَكِنَّهُ تَارِكٌ لِلْفِعْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيُثَابُ إذَا كَانَ ذَلِكَ التَّرْكُ لِلَّهِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِن التَّائِبِينَ الَّذِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مَغْفِرَةً مُطْلَقَةً وَلَا هُوَ مُصِرٌّ مُطْلَقاً .
وَأَمَّا الَّذِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 743
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٤٣