ثُمَّ إنَّ اللَّهَ خَصَّ مُوسَى بِمَزِيَّةِ فَوْقَ الرِّضَا .
حَيْثُ قَالَ : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } .
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ لَهُ فِي الْخِطَابِ : يَا ابْنَ عِمْرَانَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ خِطَابِهِ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ : يَا مُوسَى وَذَلِكَ الْخِطَابُ فِيهِ نَوْعُ غَضٍّ مِنْهُ كَمَا يَظْهَرُ .
وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ قِيلَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَاصْبِرْ .
فَهَذَا الْكَلَامُ كَلَامٌ حَسَنٌ .
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ إسْنَادُهُ .
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ مُسْنَداً وَمُرْسَلاً وَمُعَلَّقاً مَا هُوَ صَحِيحٌ وَغَيْرُهُ .
فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَّا مُرْسَلَةً .
وَبِمِثْلِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ فَهَذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ مِثْلُ الضَّعِيفِ وَغَيْرِ الضَّعِيفِ .
فَأَمَّا إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ .
كَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَارَةً يَحْفَظُ الْإِسْنَادَ وَتَارَةً يَغْلَطُ فِيهِ .
وَالْكُتُبُ الْمُسْنَدَةُ فِي أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَكَلَامِهِمْ مِثْلِ كِتَابِ ( حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَ ( طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ ( صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ .
وَأَمْثَالِ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ .
أَلَا تَرَى الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ مُسْنَداً حَيْثُ قَالَ : قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ : يَا أَحْمَد لَقَدْ أُوتِيت مِن الرِّضَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 688
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٨٨