إلَى أَنْ يُهْدَى فَيَقْصِدُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ دُونَ الْبَاطِلِ .
وَهُوَ سُنَنُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ .
ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن الذُّنُوبِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَإِلَى التَّوْبَةِ مَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن التَّقْصِيرِ أَوْ الْغَفْلَةِ فِي سُلُوكِ تِلْكَ السُّنَنِ الَّتِي هَدَاهُ اللَّهُ إلَيْهَا فَيَتُوبُ مِنْهَا بِمَا وَقَعَ مِنْ تَفْرِيطٍ فِي كُلِّ سُنَّةٍ مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ وَهَذِهِ " السُّنَنُ " تَدْخُلُ فِيهَا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُسْتَحَبَّات فَلَا بُدَّ لِلسَّالِكِ فِيهَا مِنْ تَقْصِيرٍ وَغَفْلَةٍ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إلَيْهِ .
فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ اجْتَهَدَ مَهْمَا اجْتَهَدَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ لِلَّهِ بِالْحَقِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ فَمَا يَسَعُهُ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ عَقِيبَ كُلِّ طَاعَةٍ .
وَقَدْ يُقَالُ : " الْهِدَايَةُ " هُنَا الْبَيَانُ وَالتَّعْرِيفُ أَيْ : يُعَرِّفُكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ : سَبِيلُ الْخَيْرِ ، وَالشَّرِّ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَبِيلُ الْهُدَى وَالضَّلَالِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سَبِيلُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ : أَيْ فَطَرْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَرَّفْنَاهُ إيَّاهُ ، وَالْجَمِيعُ وَاحِدٌ .
وَالنَّجْدَانِ الطَّرِيقَانِ الْوَاضِحَانِ وَالنَّجْدُ الْمُرْتَفِعُ مِن الأَرْضِ فَالْمَعْنَى أَلَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَنُبَيِّنْهُ لَهُ كَتَبْيِينِ الطَّرِيقَيْنِ الْعَالِيَيْنِ ؛ لَكِنَّ الْهُدَى وَالتَّبْيِينَ وَالتَّعْرِيفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَشْتَرِكُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 580
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٨٠