تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
وَيُضِلُّ آخَرِينَ فَإِنَّ الْهُدَى وَالضَّلَالَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْبَيَانِ . كَمَا قَالَ : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وَقَالَ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } فَتَكُونُ ( سُنَنَ ) مُتَعَلِّقاً بيبين يَعْنِي : سُنَنَ أَهْلِ الْبَاطِلِ لَا بيهدي ، وَأَهْلُ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : وَيَهْدِيَكُمْ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : السُّنَنُ الطُّرُقُ فَالْمَعْنَى يَدُلُّكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ كَمَا دَلَّ الْأَنْبِيَاءَ وَتَابِعِيهِمْ وَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَدِّمُ فِعْلَيْنِ فَلَا يَجْعَلُ الْأَوَّلَ هُوَ الْعَامِلُ وَحْدَهُ ؛ بَلْ الْعَامِلُ إمَّا الثَّانِي وَحْدَهُ وَإِمَّا الِاثْنَانِ كَقَوْلِهِ : { آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } أَوْ إذَا أُرِيدَ هَذَا التَّقْدِيرُ : يُبَيِّنُ لَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَهْدِيكُمْ سُنَناً . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَهْدِينَا سُنَنَهُمْ . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ سُنَنُ أَهْلِ الْحَقِّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ : { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا : { فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } فَإِنَّهُ أَرَادَ تَعْرِيفَ عُقُوبَةِ الظَّالِمِينَ بِالْعِيَانِ وَهُنَا فَأَنْزَلَ عَلَيْنَا مِن القُرْآنِ مَا يَهْدِينَا بِهِ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا وَهُمْ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ : " التَّبْيِينَ " وَ " الْهُدَى " وَ " التَّوْبَةَ " ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلاً يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ ثُمَّ يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ