قَدْ يُجَوِّزُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ تَكَافُؤَ الْأَدِلَّةِ وَيَجْعَلُونَ الْوَاجِبَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَى الظَّنِّ دَلِيلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ وَإِنَّمَا رُجْحَانُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ هُوَ مِنْ بَابِ الرُّجْحَانِ بِالْمَيْلِ وَالْإِرَادَةِ كَتَرْجِيحِ النَّفْسِ الْغَضَبِيَّةِ لِلِانْتِقَامِ وَالنَّفْسِ الْحَلِيمَةِ لِلْعَفْوِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ حَقٍّ مُعَيَّنٍ يُصِيبُهُ الْمُسْتَدِلُّ تَارَةً وَيُخَطِّئُهُ أُخْرَى .
كَالْكَعْبَةِ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَالْمُجْتَهِدُ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِالصَّلَاةِ إلَيْهَا كَالْمُجْتَهِدِ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى قَوْلٍ فَعَمِلَ بِمُوجِبِهِ كِلَاهُمَا مُطِيعٌ لِلَّهِ وَهُوَ مُصِيبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَلَهُ أَجْرٌ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَلَيْسَ مُصِيباً بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلِمَ الْحَقَّ الْمُعَيَّنَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِداً وَمُصِيبُهُ لَهُ أَجْرَانِ وَهَذَا فِي كَشْفِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَكِنْ قَدْ يَخْفَى عَلَى الْعَبْدِ .
فَإِنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ ( الْأَحْكَامَ الْكُلِّيَّةَ ) .
وَأَمَّا ( الْأَحْكَامُ الْمُعَيَّنَاتُ الَّتِي تُسَمَّى تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ " مِثْلُ كَوْنِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ عَدْلاً أَوْ فَاسِقاً أَوْ مُؤْمِناً أَوْ مُنَافِقاً أَوْ وَلِيّاً لِلَّهِ أَوْ عَدُوّاً لَهُ وَكَوْنِ هَذَا الْمُعَيَّنِ عَدُوّاً لِلْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ ، وَكَوْنِ هَذَا الْعَقَارِ لِيَتِيمِ أَوْ فَقِيرٍ يَسْتَحِقُّ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ ، وَكَوْنِ هَذَا الْمَالِ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ ظُلْمِ ظَالِمٍ فَإِذَا زَهِدَ فِيهِ الظَّالِمُ انْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهُ فَهَذِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 478
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧٨