الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِن العَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ } .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِياً إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ } فَهَؤُلَاءِ كَانُوا قَاصِدِينَ لِلْعَمَلِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ رَاغِبِينَ فِيهِ لَكِنْ عَجَزُوا فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ ؛ بِخِلَافِ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ وَلَا عِبَادَةٌ أَصْلاً بِخِلَافِ أُولَئِكَ فَإِنَّ لَهُمْ قَصْداً صَحِيحاً يُكْتَبُ لَهُمْ بِهِ الثَّوَابُ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ قَبْلَ جُنُونِهِ كَافِراً أَوْ فَاسِقاً أَوْ مُذْنِباً لَمْ يَكُنْ حُدُوثُ الْجُنُونِ بِهِ مُزِيلاً لِمَا ثَبَتَ مِنْ كُفْرِهِ وَفِسْقِهِ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ جُنَّ مِن اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ تَهَوُّدِهِ وَتَنَصُّرِهِ مَحْشُوراً مَعَهُمْ وَكَذَلِكَ مَنْ جُنَّ مِن المُسْلِمِينَ بَعْدَ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ مَحْشُوراً مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مِن المُتَّقِينَ .
وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِجُنُونِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ سُمِّيَ صَاحِبُهُ مُولَهاً أَوْ مُتَوَلِّهاً لَا يُوجِبُ مَزِيدَ حَالِ صَاحِبِهِ مِن الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَلَا يَكُونُ زَوَالُ عَقْلِهِ سَبَباً لِمَزِيدِ خَيْرِهِ وَلَا صَلَاحِهِ وَلَا ذَنْبِهِ ؛ وَلَكِنَّ الْجُنُونَ يُوجِبُ زَوَالَ الْعَقْلِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ لَا أَنَّهُ يَزِيدُهُ وَلَا يَنْقُصُهُ لَكِنَّ جُنُونَهُ يَحْرِمُهُ الزِّيَادَةَ مِن الخَيْرِ كَمَا أَنَّهُ يَمْنَعُ عُقُوبَتَهُ عَلَى الشَّرِّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 441
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤١