وَيَحْتَجُّونَ فِيهَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتَمَّهَا بِعَشْرِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صَامَهَا وَصَامَ الْمَسِيحُ أَيْضاً أَرْبَعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَخُوطِبَ بَعْدَهَا .
فَيَقُولُونَ يَحْصُلُ بَعْدَهَا الْخِطَابُ وَالتَّنَزُّلُ كَمَا يَقُولُونَ فِي غَارِ حِرَاءٍ حَصَلَ بَعْدَهُ نُزُولُ الْوَحْيِ .
وَهَذَا أَيْضاً غَلَطٌ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ شُرِعَتْ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا شُرِعَ لَهُ السَّبْتُ وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَسْبِتُونَ وَكَمَا حُرِّمَ فِي شَرْعِهِ أَشْيَاءُ لَمْ تُحَرَّمْ فِي شَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَهَذَا تَمَسُّكٌ بِشَرْعِ مَنْسُوخٍ وَذَاكَ تَمَسُّكٌ بِمَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ .
وَقَدْ جُرِّبَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةَ أَتَتْهُ الشَّيَاطِينُ وَحَصَلَ لَهُ تَنَزُّلٌ شَيْطَانِيٌّ وَخِطَابٌ شَيْطَانِيٌّ وَبَعْضُهُمْ يَطِيرُ بِهِ شَيْطَانُهُ وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَداً طَلَبُوا أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا حَصَلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِن التَّنَزُّلِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ الشَّيَاطِينُ ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا .
قَالَ تَعَالَى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } { إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَحُدُّ لِلْخَلْوَةِ مَكَاناً وَلَا زَمَاناً بَلْ يَأْمُرُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَخْلُوَ فِي الْجُمْلَةِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 395
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٩٥