أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ : { يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا } وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا تَابَ مِنْهُ ، لَا تُوجِبُ التَّوْبَةُ غُفْرَانَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ .
الْأَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْتَحْضِرُ ذُنُوباً فَيَتُوبُ مِنْهَا وَقَدْ يَتُوبُ تَوْبَةً مُطْلَقَةً لَا يَسْتَحْضِرُ مَعَهَا ذُنُوبَهُ لَكِنْ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ فَهِيَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَرَاهُ ذَنْباً ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ تَتَضَمَّنُ عَزْماً عَامّاً بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَكَذَلِكَ تَتَضَمَّنُ نَدَماً عَامّاً عَلَى كُلِّ مَحْظُورٍ .
وَ " النَّدَمُ " سَوَاءٌ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ أَوْ مِنْ بَابِ الْإِرَادَاتِ أَوْ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الْآلَامِ الَّتِي تَلْحَقُ النَّفْسَ بِسَبَبِ فِعْلِ مَا يَضُرُّهَا ؛ فَإِذَا اسْتَشْعَرَ الْقَلْبُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَضُرُّهُ حَصَلَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِن السَّيِّئَاتِ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ ، وَكَرَاهِيَةٌ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ ؛ وَحَصَلَ لَهُ أَذًى وَغَمٌّ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ ؛ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْآلَامِ كَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ كَمَا أَنَّ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ هُوَ مِنْ بَابِ اللَّذَّاتِ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْإِرَادَاتِ .
وَمَنْ قَالَ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ : إنَّ اللَّذَّةَ هِيَ إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 325
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٥