الْمَرِيضِ وَيَقُولُ : إنَّهُ شَكْوَى فَمَا أَنَّ أَحْمَد حَتَّى مَاتَ .
وَأَمَّا الشَّكْوَى إلَى الْخَالِقِ فَلَا تُنَافِي الصَّبْرَ الْجَمِيلَ ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ قَالَ : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } وَقَالَ : { إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ } وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِسُورَةِ ( يُونُسَ ) وَ ( يُوسُفَ ) وَ ( النَّحْلِ ) فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي قِرَاءَتِهِ فَبَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ { وَمِنْ دُعَاءِ مُوسَى : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ وَبِكَ الْمُسْتَغَاثُ وَعَلَيْكَ التكلان وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ } .
وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَعَلَ بِهِ أَهْلُ الطَّائِفِ مَا فَعَلُوا : { اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي ؛ وَقِلَّةَ حِيلَتِي ؛ وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ ؛ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي .
اللَّهُمَّ إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي ؛ غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي ؛ أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ ؛ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ ؛ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ ؛ لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى ؛ فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ } - وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - { وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ } .
وَكُلَّمَا قَوِيَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَجَائِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَفْعِ ضَرُورَتِهِ قَوِيَتْ عُبُودِيَّتُهُ لَهُ وَحُرِّيَّتُهُ مِمَّا سِوَاهُ ؛ فَكَمَا أَنَّ طَمَعَهُ فِي الْمَخْلُوقِ يُوجِبُ عُبُودِيَّتَهُ لَهُ فَيَأْسُهُ مِنْهُ يُوجِبُ غِنَى قَلْبِهِ عَنْهُ .
كَمَا قِيلَ : اسْتَغْنِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 184
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٤