فَالْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رِزْقٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ فَإِذَا طَلَبَ رِزْقَهُ مِن اللَّهِ صَارَ عَبْداً لِلَّهِ فَقِيراً إلَيْهِ وَإِنْ طَلَبَهُ مِنْ مَخْلُوقٍ صَارَ عَبْداً لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ فَقِيراً إلَيْهِ .
وَلِهَذَا كَانَتْ " مَسْأَلَةُ الْمَخْلُوقِ " مُحَرَّمَةً فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ وَفِي النَّهْيِ عَنْهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِزْعَةُ لَحْمٍ } وَقَوْلِهِ : { مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشاً أَوْ خُمُوشاً أَوْ كُدُوحاً فِي وَجْهِهِ } وَقَوْلِهِ : { لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمْعٍ مُوجِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ } هَذَا الْمَعْنَى فِي الصَّحِيحِ .
وَفِيهِ أَيْضاً { لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَذْهَبَ فَيَحْتَطِبَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ } وَقَالَ : { مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ .
وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ } فَكَرِهَ أَخْذَهُ مِنْ سُؤَالِ اللِّسَانِ وَاسْتِشْرَافِ الْقَلْبِ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ؛ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ؛ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ؛ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِن الصَّبْرِ } وَأَوْصَى خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئاً وَفِي الْمُسْنَدِ { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدِ نَاوِلْنِي إيَّاهُ ؛ وَيَقُولُ : إنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 182
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٢