فِي الصَّحِيحِ : " { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } " أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْكِرَاتِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْخَمْرِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ .
فَهُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْخَمْرِ وَهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { سُئِلَ عَنْ شَرَابٍ يُصْنَعُ مِن الذُّرَةِ يُسَمَّى الْمَزْرُ وَشَرَابٍ يُصْنَعُ مِن العَسَلِ يُسَمَّى الْبِتْعُ .
وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ فَقَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } " .
فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ - وَهِيَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ - أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ .
ثُمَّ جَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنَّ " { كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ } " حَتَّى يُثَبِّتَ تَحْرِيمَ الْمُسْكِرِ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ : " { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } " وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : " { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } " لَتَأَوَّلَهُ مُتَأَوِّلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْقَدَحَ الْأَخِيرَ كَمَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ .
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد : قَوْلُهُ " { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } " أَبْلَغُ .
فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ الْقَدَحَ الْأَخِيرَ خَمْراً .
وَلَوْ قَالَ : " { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } " فَقَطْ لَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُشْبِهُ الْخَمْرَ فِي التَّحْرِيمِ فَلَمَّا زَادَ " { وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } " عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ دُخُولَهُ فِي اسْمِ الْخَمْرِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ .
وَالْغَرَضُ هُنَا : أَنَّ صُورَةَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورَةَ فِطْرِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمٍ .
بَلْ هِيَ عِنْدَ النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْحِسَابِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُطَوِّلُونَ الْعِبَارَاتِ وَيُغَرِّبُونَهَا .
مجموعة الفتاوى — صفحة 68
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٨