الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ إلَى الْآنَ لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ حَدٌّ لِشَيْءِ مِن الأَشْيَاءِ إلَّا مَا يَدَّعِيهِ بَعْضُهُمْ وَيُنَازِعُهُ فِيهِ آخَرُونَ .
فَإِنْ كَانَتْ الْأُصُولُ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْحُدُودِ لَزِمَ أَلَّا يَكُونَ إلَى الْآنَ أَحَدٌ عَرَفَ شَيْئاً مِن الأُمُورِ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ صِحَّتَهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ بِغَيْرِ حَدٍّ وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ فَلَا يَكُونُ لِبَنِي آدَمَ شَيْءٌ مِن المَعْرِفَةِ وَهَذِهِ سَفْسَطَةٌ وَمُغَالَطَةٌ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْحُدُودِ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ فِي بَنِي آدَمَ لَا سِيَّمَا الصِّنَاعَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ .
فَإِنَّ وَاضِعَهَا هُوَ أَرِسْطُو وَسَلَكَ خَلْفَهُ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي آدَمَ .
وَمِن المَعْلُومِ أَنَّ عُلُومَ بَنِي آدَمَ - عَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ - حَاصِلَةٌ بِدُونِ ذَلِكَ .
فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ " إنَّ الْمَعْرِفَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهَا " أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلَا رَيْبَ فِي اسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهَا وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ مِن العُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ .
فَإِنَّ الْقُرُونَ الثَّلَاثَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - الَّذِينَ كَانُوا أَعْلَمَ بَنِي آدَمَ عُلُوماً وَمَعَارِفَ - لَمْ يَكُنْ تَكَلُّفُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 45
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥