الْمَوْضِعُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْحَدَّ لَا تُعْرَفُ بِهِ مَاهِيَّةُ الْمَحْدُودِ بِحَالِ بِخِلَافِ الْبُرْهَانِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَادِّ ؛ فَلِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّهُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ حَدُّهُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ أَنْ يُطَابِقَهُ عُمُوماً وَخُصُوصاً وَلَوْلَا مَعْرِفَتُهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّهُ لَمْ تَصِحَّ مَعْرِفَتُهُ بِالْمُطَابَقَةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَمِعِ فَلِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ بَدِيهِيَّةً وَلَمْ يُقِمْ الْحَادُّ عَلَيْهِ دَلِيلاً امْتَنَعَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عِلْمٌ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْحَادِّ الْمُتَكَلِّمِ بِالْحَدِّ ؛ وَلِهَذَا تَجِدُ الْمُسْتَمِعَ يُعَارِضُ الْحَدَّ وَيُنَاقِضُهُ فِي طَرْدِهِ وَعَكْسِهِ وَلَوْلَا تَصَوُّرُهُ الْمَحْدُودَ بِدُونِ الْحَدِّ لَامْتَنَعَتْ الْمُعَارَضَةُ وَالْمُنَاقَضَةُ .
وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْحَدِّ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ لَا تَصْوِيرُهُ ؛ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِاسْمِ الْحَدِّ فِي اللُّغَةِ فَإِنَّهُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ مَاهِيَّةَ الشَّيْءِ مُطْلَقاً .
مِثْلُ مَنْ يَتَصَوَّرُ الْأَمْرَ وَالْخَبَرَ وَالْعِلْمَ فَيَتَصَوَّرُهُ مُطْلَقاً لَا عَامّاً ؛ فَالْحَدُّ يُمَيِّزُ الْعَامَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ خَبَرٍ وَعِلْمٍ وَأَمْرٍ .
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ الَّذِي يُتَصَوَّرُ بِالْبَدِيهَةِ مِنْ مُسَمَّيَاتِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُطْلَقَةُ غَيْرُ الْمَطْلُوبِ بِالْحَدِّ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْعَامَّةُ ؛ ثُمَّ التَّمْيِيزُ لِلْأَسْمَاءِ تَارَةً وَلِلصِّفَاتِ أُخْرَى فَالْحَدُّ إمَّا بِحَسَبِ الِاسْمِ وَهُوَ الْحَدُّ اللَّفْظِيُّ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ كُلِّ عَالِمٍ وَإِمَّا بِحَسَبِ الْوَصْفِ وَهُوَ تَفْهِيمُ الْحَقِيقَةِ الَّتِي عُرِفَتْ صِفَتُهَا وَهَذَا يَحْصُلُ بِالرَّسْمِ وَالْخَوَاصِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ بِحَيْثُ يَدَّعِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 263
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٣