يَجِدْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ حَقٌّ أَخَذَ يَشْغَلُ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ كَمَا كَانَ يَتَحَرَّى مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ كَابْنِ وَاصِلٍ وَغَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا يَشْتَغِلُونَ وَقْتَ بَطَالَتِهِمْ بِعِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْهَنْدَسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيحاً لِلنَّفْسِ وَهُوَ عِلْمٌ صَحِيحٌ لَا يَدْخُلُ فِيهِ غَلَطٌ .
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : إذَا لَهَوْتُمْ فَالْهُوا بِالرَّمْيِ وَإِذَا تَحَدَّثْتُمْ فَتَحَدَّثُوا بِالْفَرَائِضِ .
فَإِنَّ حِسَابَ الْفَرَائِضِ عِلْمٌ مَعْقُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ مَشْرُوعٍ فَتَبْقَى فِيهِ رِيَاضَةُ الْعَقْلِ وَحِفْظُ الشَّرْعِ .
لَكِنْ لَيْسَ هُوَ عِلْماً يُطْلَبُ لِذَاتِهِ وَلَا تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ .
وَأُولَئِكَ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ وَيَدْعُونَهَا بِأَنْوَاعِ الدَّعَوَاتِ .
كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَمَا صُنِّفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ مِن الكُتُبِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ وَدَعْوَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْعَزَائِمِ وَالْأَقْسَامِ الَّتِي بِهَا يُعَظَّمُ إبْلِيسُ وَجُنُودُهُ .
وَكَانَ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ يُغْوِيهِمْ بِأَشْيَاءَ هِيَ الَّتِي دَعَتْهُمْ إلَى ذَلِكَ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ وَكَانُوا يَرْصُدُونَ الْكَوَاكِبَ لِيَتَعَلَّمُوا مَقَادِيرَهَا وَمَقَادِيرَ حَرَكَاتِهَا وَمَا بَيْنَ بَعْضِهَا مِن الاتِّصَالَاتِ مُسْتَعِينِينَ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَرَوْنَهُ مُنَاسِباً لَهَا .
مجموعة الفتاوى — صفحة 129
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٩