أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ مَا لَا يَشَاؤُهُ هُوَ لَا يَكُونُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهُ .
وَقَوْلُ الْمُحْتَجِّ : لَوْ وَقَعَ لَانْقَلَبَ الْعِلْمُ جَهْلاً .
قِيلَ : هَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ عَاجِزٌ عَنْهُ لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ لَهُ لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ؛ كَاَلَّذِي لَا يَقَعُ مِنْ مَقْدُورَاتِ الرَّبِّ الَّتِي لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ غُلَاةِ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ بَلْ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ } { بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ } قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِوَجْهِكَ { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قَالَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قَالَ : هَاتَانِ أَهْوَنُ } .
فَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ مِنْهُ مَا لَا يَكُونُ وَهُوَ إرْسَالُ عَذَابٍ مِنْ فَوْقِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَهُوَ لَبْسُهُمْ شِيَعاً وَإِذَاقَةُ بَعْضِهِمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 499
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩٩