الْقَيْدِ وَالْحَبْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالصَّادِّ عَنْ السَّبِيلِ كَالْعَدُوِّ وَغَيْرِهِ .
فَصْلٌ :
وقَوْله تَعَالَى { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلِ لِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِرِ عَلَيْهِ وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرِيدِ ؛ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَهَذِهِ الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ : الْمُجْبِرَةِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } فَأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَفِعْلاً ثُمَّ قَالَ : { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } فَبَيَّنَ أَنَّ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ مُعَلَّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ .
وَالْأُولَى رَدٌّ " عَلَى الْجَبْرِيَّةِ وَهَذِهِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : قَدْ يَشَاءُ الْعَبْدُ مَا لَا يَشَاؤُهُ اللَّهُ كَمَا يَقُولُونَ : إنَّ اللَّهَ يَشَاءُ مَا لَا يَشَاءُونَ .
وَإِذَا قَالُوا : الْمُرَادُ بِالْمَشِيئَةِ هُنَا الْأَمْرُ عَلَى أَصْلِهِمْ وَالْمَعْنَى وَمَا يَشَاءُونَ فِعْلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ إنْ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ .
قِيلَ : سِيَاقُ الْآيَةِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا ؛ بَلْ الْمُرَادُ وَمَا تَشَاءُونَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْتُمْ بِالْفِعْلِ أَنْ تَفْعَلُوهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً } { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } .
وَقَوْلُهُ : { وَمَا تَشَاءُونَ } نَفْيٌ لِمَشِيئَتِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }
مجموعة الفتاوى — صفحة 488
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٨٨