تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا } وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ .
فَمَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يَعْجِزُونَ عَنْهُ إذَا أَرَادُوهُ إرَادَةً جَازِمَةً فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ مِن المُفْتَرِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ } قَالَ أَبُو قلابة : هَذَا لِكُلِّ مُفْتَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
لَكِنْ مَعَ قَوْلِهِ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ خَالِقُ الْعِبَادِ وَقُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِذْنِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَفِعْلِهِ وَقَدْ جَاءَتْ الْإِرَادَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى نَوْعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } - إلَى قَوْله تَعَالَى - { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
وَ ( الثَّانِي : الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 440
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٠