وَالصَّوَابُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ : أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْفِعْلِ وَمُقَارِنَةٌ لَهُ أَيْضاً وَتُقَارِنُهُ أَيْضاً اسْتِطَاعَةٌ أُخْرَى لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ .
فَالِاسْتِطَاعَةُ " نَوْعَانِ " : مُتَقَدِّمَةٌ صَالِحَةٌ لِلضِّدَّيْنِ ، وَمُقَارِنَةٌ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ فَتِلْكَ هِيَ الْمُصَحِّحَةُ لِلْفِعْلِ الْمُجَوِّزَةُ لَهُ وَهَذِهِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْفِعْلِ الْمُحَقِّقَةُ لَهُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأُولَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً } .
وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ لَمَا وَجَبَ الْحَجُّ إلَّا عَلَى مَنْ حَجَّ وَلَمَا عَصَى أَحَدٌ بِتَرْكِ الْحَجِّ وَلَا كَانَ الْحَجُّ وَاجِباً عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِهِ ؛ بَلْ قَبْلَ فَرَاغِهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } فَأَمَرَ بِالتَّقْوَى بِمِقْدَارِ الِاسْتِطَاعَةِ وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِطَاعَةَ الْمُقَارِنَةَ لَمَا وَجَبَ عَلَى أَحَدٍ مِن التَّقْوَى إلَّا مَا فَعَلَ فَقَطْ إذْ هُوَ الَّذِي قَارَنَتْهُ تِلْكَ الِاسْتِطَاعَةُ .
وَقَالَ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَهَا } و " الْوُسْعُ " الْمَوْسُوعُ وَهُوَ الَّذِي تَسَعُهُ وَتُطِيقُهُ فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُقَارِنُ لَمَا كُلِّفَ أَحَدٌ إلَّا الْفِعْلَ الَّذِي أَتَى بِهِ فَقَطْ دُونَ مَا تَرَكَهُ مِن الوَاجِبَاتِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ؛ وَإِلَّا كَانَ الْمَعْنَى فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ الصِّيَامَ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ الْإِطْعَامُ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يَصُمْ وَلَا يَكُونُ الصَّوْمُ وَاجِباً عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَفْعَلَهُ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُقَارَنَةُ فَقَطْ لَكَانَ الْمَعْنَى : فَأْتُوا مِنْهُ مَا فَعَلْتُمْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 372
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٢