فَصْلٌ :
وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ : الَّذِينَ يَسْلُكُونَ إلَى اللَّهِ مَحْضَ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمُنَزَّلَيْنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِينَ يَنْتَهُونَ إلَى الْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ يَقُولُونَ بِالْجَمْعِ وَالِاصْطِلَامِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا يَصِلُونَ إلَى الْفَرْقِ الثَّانِي .
وَيَقُولُونَ ؛ إنَّ صَاحِبَ الْفَنَاءِ لَا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُ سَيِّئَةً وَيَجْعَلُونَ هَذَا غَايَةَ السُّلُوكِ .
وَاَلَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يَسْتَحْسِنُونَهُ ويستقبحونه وَيُحِبُّونَهُ وَيَكْرَهُونَهُ وَيَأْمُرُونَ بِهِ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ لَكِنْ بِإِرَادَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَهَوَاهُمْ ؛ لَا بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِن اللَّهِ وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ لَمْ يُحَقِّقُوا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَشَهَادَةَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْقِيقَ الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُحِبَّ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُبْغِضَ إلَّا لِلَّهِ ، وَلَا يُوَالِيَ إلَّا لِلَّهِ ، وَلَا يُعَادِيَ إلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ وَيَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَّك لَا تَرْجُو إلَّا اللَّهَ وَلَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَلَا تَسْأَلُ إلَّا اللَّهَ وَهَذَا مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ وَهَذَا الْإِسْلَامُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ الْمُرْسَلِينَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 337
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٧