وَيُضَادُّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عِلَّةَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْمَعْلُولَ لَا يُضَادُّ عِلَّتَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلاً لَهَا كَمَا أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ ضِدّاً لِنَفْسِهِ وَلَا فَاعِلاً لِنَفْسِهِ فَإِنَّ مُضَادَّتَهُ لِنَفْسِهِ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ تَابِعاً لِوُجُودِهِ فَيَكُونُ مَوْجُوداً مَعْدُوماً وَفِعْلُهُ لِنَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ الْعِلَّةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَعْلُولِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ مَوْجُودَةً مَعْدُومَةً .
وَمِن المَعْلُومِ أَنَّ " الْفَلَكَ التَّاسِعَ " إذَا لَمْ تَكُنْ الْحَوَادِثُ وَالْحَرَكَاتُ الَّتِي عَنْ قُوَى الْأَجْسَامِ مِنْهُ وَإِنَّمَا مِنْهُ حَرَكَةٌ عَرَضِيَّةٌ لَهَا فَأَلَّا تَكُونَ نَفْسَ الْأَجْسَامِ وَقُوَاهَا مِنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرِّكَ لِلْأَفْلَاكِ وَغَيْرِهَا مِن الأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ وَالْمُبْدِعَ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ بِسَبَبِ آخَرَ رَبٌّ غَيْرُهَا هُوَ الَّذِي أَبْدَعَهَا عَلَى صُوَرِهَا الْمُخْتَلِفَةِ وَحَرَّكَهَا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
ثُمَّ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ إذَا كَانَتْ جُزْءَ السَّبَبِ مِنْ بَعْضِ الْحَوَادِثِ فَإِنَّمَا تَكُونُ جُزْءَ السَّبَبِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنَّهَا فِي حَالِ ظُهُورِهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَظْهَرُ نُورُهَا وَأَثَرُهَا فَإِذَا أَفَلَتْ انْقَطَعَ نُورُهَا وَأَثَرُهَا فَلَا تَبْقَى حِينَئِذٍ سَبَباً وَلَا جُزْءاً مِن السَّبَبِ وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } فَإِنَّهَا فِي حَالِ أُفُولِهَا قَدْ انْقَطَعَ أَثَرُهَا عَنَّا بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَالرَّبُّ الَّذِي يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَيُرْجَى وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَيُّوماً يُقَيِّمُ الْعَبْدَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا قَالَ : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } وَقَالَ : { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 173
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٣