عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً } وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله تَعَالَى { إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً } وَقَتْلُ النَّفْسِ الْأَوَّلُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَسَادِ لَكِنَّ الْحَقَّ فِي الْقَتْلِ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَفِي الرِّدَّةِ وَالْمُحَارَبَةِ وَالزِّنَا ؛ الْحَقُّ فِيهَا لِعُمُومِ النَّاسِ ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ : هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِهَذَا لَا يُعْفَى عَنْ هَذَا كَمَا يُعْفَى عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ فَسَادَهُ عَامٌّ قَالَ تَعَالَى { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ } الْآيَةَ .
قِيلَ : سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ العرنيون الَّذِينَ ارْتَدُّوا وَقَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ .
وَقِيلَ : سَبَبُهُ نَاسٌ مُعَاهِدُونَ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَحَارَبُوا .
وَقِيلَ : الْمُشْرِكُونَ ؛ فَقَدْ قَرَنَ بِالْمُرْتَدِّينَ الْمُحَارِبِينَ وَنَاقِضِي الْعَهْدِ الْمُحَارِبِينَ وَبِالْمُشْرِكِينَ الْمُحَارِبِينَ .
وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ مِن المُسْلِمِينَ وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ قَرَنَ " الصَّلَاحَ وَالْإِصْلَاحَ بِالْإِيمَانِ " فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } .
{ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ الْإِصْلَاحِ وَأَفْضَلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 85
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٥