{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فَتَعْلَمُونَ أَنَّ خَالِقَ الْأَزْوَاجِ وَاحِدٌ .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْشُرُ مَعَهُمْ زَوْجَاتِهِمْ مُطْلَقاً ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ قَدْ يَكُونُ زَوْجُهَا فَاجِراً ؛ بَلْ كَافِراً كَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ .
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَدْ تَكُونُ امْرَأَتُهُ فَاجِرَةً بَلْ كَافِرَةً كَامْرَأَةِ نُوحٍ وَلُوطٍ .
لَكِنْ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى دِينِ زَوْجِهَا ؛ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ الْأَزْوَاجِ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : وَأَزْوَاجُهُمْ الْمُشْرِكَاتُ .
فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْ الْكُفَّارَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا الزُّنَاةُ مَعَ الزُّنَاةِ ، وَأَهْلُ الْخَمْرِ مَعَ أَهْلِ الْخَمْرِ .
وَكَذَلِكَ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ : { إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ : أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ ؟ - أَوْ قَالَ : وَأَشْبَاهُهُمْ - فَيُجْمَعُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ يُقْذَفُ بِهِمْ فِي النَّارِ } .
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ : أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ أَعَانَهُمْ وَلَوْ أَنَّهُ لَاقَ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَماً وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ : بَلْ مَنْ يَغْسِلُ ثِيَابَهُمْ مِنْ أَعْوَانِهِمْ .
وَأَعْوَانُهُمْ : هُمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ .
فَإِنَّ الْمُعِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ ، وَالْمُعِينَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ .
قَالَ تَعَالَى : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } وَالشَّافِعُ الَّذِي يُعِينُ غَيْرَهُ فَيَصِيرُ مَعَهُ شَفْعاً بَعْدَ أَنْ كَانَ وِتْراً ؛ وَلِهَذَا فُسِّرَتْ " الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ " بِإِعَانَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْجِهَادِ وَ " الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ " بِإِعَانَةِ الْكُفَّارِ عَلَى قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو سُلَيْمَانَ .
وَفُسِّرَتْ " الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ " بِشَفَاعَةِ الْإِنْسَانِ لِلْإِنْسَانِ لِيَجْتَلِبَ لَهُ نَفْعاً
مجموعة الفتاوى — صفحة 64
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٤