أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } وَهَذَا الْحَرْفُ - أَيْ ( لَمَّا - يُنْفَى بِهِ مَا قَرُبَ وُجُودُهُ وَانْتُظِرَ وُجُودُهُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ .
فَيَقُولُ لِمَنْ يَنْتَظِرُ غَائِباً أَيْ " لَمَّا " .
وَيَقُولُ قَدْ جَاءَ لَمَّا يَجِئْ بَعْدُ .
فَلَمَّا قَالُوا : { آمَنَّا } قِيلَ : { لَمْ تُؤْمِنُوا } بَعْدُ بَلْ الْإِيمَانُ مَرْجُوٌّ مُنْتَظَرٌ مِنْهُمْ .
ثُمَّ قَالَ : { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ } أَيْ : لَا يُنْقِصْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ الْمُثْبَتَةِ ( شَيْئاً أَيْ : فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادُوا طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ ؛ إذْ كَانَ مِن المَعْلُومِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُثَابُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِهِ .
فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : الْمُطَاعُ يُثَابُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ .
و " أَيْضاً " فَالْخِطَابُ لِهَؤُلَاءِ الْمُخَاطَبِينَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ : لَمَّا يَدْخُلْ فِي قُلُوبِهِمْ وَقِيلَ لَهُمْ : { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً } فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُثَابِينَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَكَانَ خِلَافَ مَدْلُولِ الْخِطَابِ فَبَيَّنَ ذَلِكَ أَنَّهُ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ فَقَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 477
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧٧