يُثَبِّتَنَا عَلَيْهِ إلَى الْمَوْتِ وَالْكُفْرُ لَا يَرْغَبُ فِيهِ أَحَدٌ .
لَكِنْ يُقَالُ : إذَا كَانَ قَوْلُك : مُؤْمِنٌ كَقَوْلِك : فِي الْجَنَّةِ .
فَأَنْتَ تَقُولُ عَنْ الْكَافِرِ : هُوَ كَافِرٌ .
وَلَا تَقُولُ : هُوَ فِي النَّارِ إلَّا مُعَلِّقاً بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ فِي الْحَالِ قَطْعاً .
وَإِنْ جَازَ أَنْ يَصِيرَ مُؤْمِناً كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ .
وَسَوَاءٌ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ .
فَلَوْ قِيلَ عَنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ : هَذَا كَافِرٌ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِراً ؛ وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَحَداً مُؤْمِناً إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَيْهِ ؛ وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَصْحَابِ ابْنِ كُلَّابٍ وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُ أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ لَا الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ الَّذِينَ يُسْتَثْنَوْنَ فِي الْإِيمَانِ يُعَلِّلُونَ بِهَذَا لَا أَحْمَد وَلَا مَنْ قَبْلَهُ .
وَمَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ طَرَدَهُ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانُوا فِي الْأَصْلِ يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ اتِّبَاعاً لِلسَّلَفِ وَكَانُوا قَدْ أَخَذُوا الِاسْتِثْنَاءَ عَنْ السَّلَفِ وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ شَدِيدَيْنِ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفريابي صَاحِبُ الثَّوْرِيِّ مُرَابِطاً بِعَسْقَلَانَ لَمَّا كَانَتْ مَعْمُورَةً وَكَانَتْ مِنْ خِيَارِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَلِهَذَا كَانَ فِيهَا فَضَائِلُ لِفَضِيلَةِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانُوا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ اتِّبَاعاً لِلسَّلَفِ وَاسْتَثْنَوْا أَيْضاً فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ : صَلَّيْت إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَبُولِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الآثَارِ عَنْ السَّلَفِ .
ثُمَّ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِآخِرَةِ يَسْتَثْنُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَيَقُولُ هَذَا ثَوْبِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا حَبْلٌ
مجموعة الفتاوى — صفحة 432
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٢