وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ فِي الْكَفَّارَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّاسِ أَلَّا يُعْتِقُوا إلَّا مَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ ؛ فَإِنَّ هَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُمْ : اُقْتُلُوا إلَّا مَنْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ .
وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا أَنْ يُنَقِّبُوا عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا يَشُقُّوا بُطُونَهُمْ ؛ فَإِذَا رَأَوْا رَجُلاً يُظْهِرُ الْإِيمَانَ جَازَ لَهُمْ عِتْقُهُ وَصَاحِبُ الْجَارِيَةِ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ هِيَ مُؤْمِنَةٌ ؟ إنَّمَا أَرَادَ الْإِيمَانَ الظَّاهِرَ الَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُعْتِقَ إلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مُطْلَقاً ؛ بَلْ وَلَا أَحَدٌ مِن الخَلْقِ يَعْلَمُ ذَلِكَ مُطْلَقاً .
وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ وَاَللَّهُ يَقُولُ لَهُ : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } .
فَأُولَئِكَ إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكُمُ فِيهِمْ كَحُكْمِهِ فِي سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ وَلَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةُ أَحَدِهِمْ صَلَّى عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ مَنْهِيّاً عَنْ الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ نِفَاقَهُ ؛ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَيَعْلَمَ سَرَائِرَهُمْ وَهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَرٌ .
وَلِهَذَا لَمَّا كَشَفَهُمْ اللَّهُ بِسُورَةِ بَرَاءَةٌ بِقَوْلِهِ : { وَمِنْهُمْ } { وَمِنْهُمْ } صَارَ يَعْرِفُ نِفَاقَ نَاسٍ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ نِفَاقَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ وَصَفَهُمْ بِصِفَاتِ عَلِمَهَا النَّاسُ مِنْهُمْ ؛ وَمَا كَانَ النَّاسُ يَجْزِمُونَ بِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِنِفَاقِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَظُنُّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ يَعْلَمُهُ ؛ فَلَمْ يَكُنْ نِفَاقُهُمْ مَعْلُوماً عِنْدَ الْجَمَاعَةِ بِخِلَافِ حَالِهِمْ لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ كَتَمُوا النِّفَاقَ وَمَا بَقِيَ يُمْكِنُهُمْ مِنْ إظْهَارِهِ أَحْيَاناً مَا كَانَ يُمْكِنُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 214
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٤