تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِناً ؛ بَلْ قَالَ مُوسَى : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } قَالَ اللَّهُ : { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ : { آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ } . قَالَ اللَّهُ : { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } . فَوَصَفَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ فِي الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ : { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ } وَكَمَا قَالَ عَنْ إبْلِيسَ : { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } { إلَّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } فَلَمْ يَصِفْهُ إلَّا بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَمُعَارَضَتِهِ الْأَمْرَ ، لَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالصَّانِعِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } . ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : إذَا قُلْتُمْ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِهِمَا ؛ فَهَلْ هُوَ التَّصْدِيقُ الْمُجْمَلُ ؟ أَوْ لَا بُدَّ فِيهِ مِن التَّفْصِيلِ ؟ فَلَوْ صَدَّقَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَعْرِفْ صِفَاتِ الْحَقِّ هَلْ يَكُونُ مُؤْمِناً أَمْ لَا ؟ فَإِنْ جَعَلُوهُ مُؤْمِناً . قِيلَ : فَإِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَكَذَّبَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِناً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَصَارَ بَعْضُ الْإِيمَانِ أَكْمَلَ مِنْ بَعْضٍ ؛ وَإِنْ قَالُوا : لَا يَكُونُ مُؤْمِناً لَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مُؤْمِناً حَتَّى يَعْرِفَ تَفْصِيلَ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُمْ الْإِيمَانُ لَا يَتَفَاضَلُ إلَّا بِالدَّوَامِ فَقَطْ . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ : أَصْلُكُمْ يَلْزَمُكُمْ أَنْ يَكُونَ إيمَانُ الْمُنْهَمِكِ فِي فِسْقِهِ كَإِيمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 152 | ابن تيمية