يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } .
فَقَدْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ الرُّسُلَ أَتَتْهُمْ وَتَلَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِ رَبِّهِمْ وَأَنْذَرَتْهُمْ لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ؛ فَقَدْ عَرَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كُفَّارٌ .
وَقَالَ تَعَالَى : { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } { قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } فَقَدْ كَذَّبُوا بِوُجُودِهِ وَكَذَّبُوا بِتَنْزِيلِهِ .
وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَعَرَفُوا الْجَمِيعَ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } إلَى قَوْلِهِ : { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } إلَى آيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ فِي الْآخِرَةِ يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ إيمَاناً كَانُوا مُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ .
فَإِنْ قَالُوا : الْإِيمَانُ فِي الْآخِرَةِ لَا يَنْفَعُ وَإِنَّمَا الثَّوَابُ عَلَى الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا .
قِيلَ : هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيمَانُ إلَّا مُجَرَّدَ الْعِلْمِ ؛ فَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ لَا تَخْتَلِفُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ مِن الإِيمَانِ فَالْعَارِفُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِن الإِيمَانِ .
لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا يَدَّعُونَهُ أَنَّهُ حِينَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مِن التَّصْدِيقِ بِالرَّبِّ شَيْءٌ .
وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُصَدِّقِينَ بِالرَّبِّ حَتَّى فِرْعَوْنُ الَّذِي أَظْهَرَ التَّكْذِيبَ كَانَ فِي بَاطِنِهِ مُصَدِّقاً .
قَالَ تَعَالَى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } وَكَمَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ : { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 151
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥١