تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فَالتَّصْدِيقُ إذاً قَوْلٌ فِي النَّفْسِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَتُوصَفُ الْعِبَادَةُ بِأَنَّهَا تَصْدِيقٌ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقِ : وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : التَّصْدِيقُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْقَوْلِ وَالْمَعْرِفَةِ جَمِيعاً فَإِذَا اجْتَمَعَا كَانَا تَصْدِيقاً وَاحِداً . وَمِنْهُمْ مَنْ اكْتَفَى بِتَرْكِ الْعِنَادِ ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ الْإِقْرَارَ أَحَدَ رُكْنَيْ الْإِيمَانِ فَيَقُولُ : الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَأَوْجَبَ تَرْكَ الْعِنَادِ بِالشَّرْعِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ الْكَافِرُ اللَّهَ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِالْعِنَادِ لَا لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي الْإِيمَانِ . وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُقَالُ : إنَّ الْيَهُودَ كَانُوا عَالِمِينَ بِاَللَّهِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا عِنَاداً وَبَغْياً وَحَسَداً . قَالَ وَعَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ : كُلُّ مَنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ فَنَقُولُ : إنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ أَصْلاً وَلَا عَرَفَ رَسُولَهُ وَلَا دِينَهُ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ تِلْمِيذُهُ : كَأَنَّ الْمَعْنَى : لَا حُكْمَ لِإِيمَانِهِ وَلَا لِمَعْرِفَتِهِ شَرْعاً . قُلْت : وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا قَالَهُ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِهِمْ : الْمُعَانِدُ كَافِرٌ شَرْعاً فَيَجْعَلُ الْكُفْرَ تَارَةً بِانْتِفَاءِ الْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَتَارَةً بِالْعِنَادِ ، وَيُجْعَلُ هَذَا كَافِراً فِي الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ كَافِراً فِي الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ مَعَهُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ إيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ . وَالْحُذَّاقُ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ ؛ كَأَبِي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ جَهْمٍ عَرَفُوا أَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ يُفْسِدُ الْأَصْلَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 146 | ابن تيمية