فَهَذَا لَمْ يُسَمَّ قَطُّ مُؤْمِناً ؛ وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّة إذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي قَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ إيمَانُهُ كَإِيمَانِ النَّبِيِّينَ وَلَوْ قَالَ وَعَمِلَ مَاذَا عَسَى أَنْ يَقُولَ وَيَعْمَلَ ؟ وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ الْإِيمَانُ إلَّا إذَا زَالَ ذَلِكَ الْعِلْمُ مِنْ قَلْبِهِ .
ثُمَّ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ نَصَرُوا قَوْلَ جَهْمٍ يَقُولُونَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ وَيَقُولُونَ : " الْإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ " هُوَ مَا يُوَافِي بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَجَعَلُوا فِي " مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ " مُسَمَّى الْإِيمَانِ مَا ادَّعَوْا أَنَّهُ مُسَمَّاهُ فِي الشَّرْعِ وَعَدَلُوا عَنْ اللُّغَةِ .
فَهَلَّا فَعَلُوا هَذَا فِي الْأَعْمَالِ .
وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ لَا تُحْصَى كَثْرَةً بِخِلَافِ دَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إيمَاناً ؛ إلَّا مَا مَاتَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَهُوَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ الَّذِينَ اسْتَثْنَوْا فِي الْإِيمَانِ مِن السَّلَفِ كَانَ هَذَا مَأْخَذَهُمْ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ لَمْ يَكُونُوا خَبِيرِينَ بِكَلَامِ السَّلَفِ بَلْ يَنْصُرُونَ مَا يَظْهَرُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بِمَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِن الجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَيَبْقَى الظَّاهِرُ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْبَاطِنُ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ هُمْ أَفْسَدُ النَّاسِ مَقَالَةً فِي الْإِيمَانِ .
وَسَنَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَقْوَالَ السَّلَفِ فِي " الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ " وَلِهَذَا لَمَّا صَارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ أَتْبَاعِ أَبِي الْحَسَنِ فَسَادُ قَوْلِ جَهْمٍ فِي الْإِيمَانِ خَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ اتَّبَعَ السَّلَفَ .
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الشِّهْرِسْتَانِيّ فِي " شَرْحِ الْإِرْشَادِ " لِأَبِي الْمَعَالِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ أَصْحَابِهِ قَالَ : وَذَهَبَ أَهْلُ الْأَثَرِ إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 143
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٣