وَقُدْرَتِهِ ، لَكِنْ قَالُوا : لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَاقَبَ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ ؛ فَإِنَّ مَا تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَوَافَقُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ .
فَكَمَا أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ : فَرَّقَ هَؤُلَاءِ فِي الْحَوَادِثِ بَيْنَ تَجَدُّدِهَا وَبَيْنَ لُزُومِهَا فَقَالُوا بِنَفْيِ لُزُومِهَا لَهُ دُونَ نَفْيِ حُدُوثِهَا كَمَا قَالُوا فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ : إنَّهَا تَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
وَالْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ يُطَالِبُونَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ بِسَبَبِ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالْحَوَادِثُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ قَالُوا : وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ وَهَذَا أَعْظَمُ شُبَهِهِمْ فِي " قِدَمِ الْعَالَمِ " وَهِيَ الْمُعْضِلَةُ الزَّبَّاءُ وَالدَّاهِيَةُ الدهياء وَقَدْ ضَاقَ هَؤُلَاءِ عَنْ جَوَابِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا إلَى الِالْتِزَامِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَبَيَّنَّا " الْأَجْوِبَةَ الْقَاطِعَةَ " عَنْ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَنَّهُ مَنْ قَالَ بِمُوجَبِ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَمْكَنَهُ أَنْ يُنَاظِرَ الْفَلَاسِفَةَ مُنَاظَرَةً عَقْلِيَّةً يَقْطَعُهُمْ بِهَا وَيَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ مُطَابِقٌ لِلسَّمْعِ الصَّحِيحِ .
وَبَيَّنَّا أَيْضاً كَيْفَ تُجِيبُهُمْ " كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ " لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِن الفَلَاسِفَةِ فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يُجِيبُوهُمْ بِالْإِلْزَامِ جَوَاباً لَا مَحِيصَ لِلْفَلَاسِفَةِ عَنْهُ وَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِلْفَلَاسِفَةِ : قَوْلُكُمْ أَظْهَرُ فَسَاداً فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ فَتَقُولُ لَهُمْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ :
مجموعة الفتاوى — صفحة 525
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٢٥