فِي الْعِلْمِ وَلَا كَانَ فِي " الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ " مَنْ يُنْكِرُهُ ؛ وَإِنَّمَا حَدَثَ إنْكَارُهُ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَظَهَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ وَأَكْبَرُ سَبَبِ إنْكَارِهِ إمَّا مِن المُجَوِّزِينَ لِلْعَفْوِ مِنْ " أَهْلِ السُّنَّةِ " .
وَمِنْ أَهْلِ الْمُرْجِئَةِ مَنْ ضَاقَ عَطَنُهُ لَمَّا نَاظَرَهُ الوعيدية بِعُمُومِ آيَاتِ الْوَعِيدِ وَأَحَادِيثِهِ فَاضْطَرَّهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ جَحَدَ الْعُمُومَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ فَكَانُوا فِيمَا فَرُّوا إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْجَحْدِ كَالْمُسْتَجِيرِ مِن الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ .
وَلَوْ اهْتَدَوْا لِلْجَوَابِ السَّدِيدِ " للوعيدية " : مِنْ أَنَّ الْوَعِيدَ فِي آيَةٍ وَإِنْ كَانَ عَامّاً مُطْلَقاً فَقَدْ خُصِّصَ وَقُيِّدَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - جَرْياً عَلَى السُّنَنِ الْمُسْتَقِيمَةِ - أَوْلَى بِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْمُتَوَعَّدِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّناً .
تَقْيِيداً لِلْوَعِيدِ الْمُطْلَقِ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الأَجْوِبَةِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَقْرِيرِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ قَرَّرُوا الْعُمُومَ بِمَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ ذِكْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ : بَلْ الْعِلْمُ بِحُصُولِ الْعُمُومِ مِنْ صِيَغِهِ ضَرُورِيٌّ مِن اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَالْمُنْكِرُونَ لَهُ فِرْقَةٌ قَلِيلَةٌ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ جَحْدُ الضَّرُورِيَّاتِ أَوْ سَلْبُ مَعْرِفَتِهَا ؛ كَمَا جَازَ عَلَى مَنْ جَحَدَ الْعِلْمَ بِمُوجَبِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن المَعَالِمِ الضَّرُورِيَّةِ .
وَأَمَّا مَنْ سَلَّمَ أَنَّ الْعُمُومَ ثَابِتٌ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ .
وَقَالَ : هُوَ ضَعِيفٌ أَوْ أَكْثَرُ العمومات مَخْصُوصَةٌ وَأَنَّهُ مَا مِنْ عُمُومٍ مَحْفُوظٍ إلَّا كَلِمَةً أَوْ كَلِمَاتٍ .
فَيُقَالُ لَهُ : " أَوَّلاً " هَذَا سُؤَالٌ لَا تَوْجِيهَ لَهُ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْته لَا يَخْلُو : إمَّا أَنْ يَكُونَ مَانِعاً مِن الاسْتِدْلَالِ بِالْعُمُومِ أَوْ لَا يَكُونَ ، فَإِنْ كَانَ مَانِعاً
مجموعة الفتاوى — صفحة 441
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤١