فَصْلٌ :
الْمُقْتَضِي لِكِتَابَةِ هَذَا : أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ كَانَ قَدْ سَأَلَنِي لِأَجْلِ نِسَائِهِ مِنْ مُدَّةٍ : هَلْ تَرَى الْمُؤْمِنَاتُ اللَّهَ فِي الْآخِرَةِ ؟
فَأَجَبْت بِمَا حَضَرَنِي إذْ ذَاكَ : مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُنَّ يَرَيْنَهُ وَذَكَرْت لَهُ أَنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُنَّ يَرَيْنَهُ فِي الْأَعْيَادِ وَأَنَّ أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ تَشْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعاً مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ ؛ وَأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ حَسَبَ التَّتَبُّعِ ؛ وَمَا لَمْ يَحْضُرْنِي السَّاعَةَ .
وَكَانَ قَدْ سَنَحَ لِي فِيمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ " الْمُعْتَادَةَ الْعَامَّةَ فِي الْآخِرَةِ تَكُونُ بِحَسَبِ الصَّلَوَاتِ الْعَامَّةِ الْمُعْتَادَةِ فَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ قَدْ شُرِعَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الِاجْتِمَاعُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمُنَاجَاتِهِ ، وَتَرَائِيِهِ بِالْقُلُوبِ وَالتَّنَعُّمِ بِلِقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ جُمُعَةٍ جَعَلَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ اجْتِمَاعاً فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِمُنَاجَاتِهِ وَمُعَايَنَتِهِ وَالتَّمَتُّعِ بِلِقَائِهِ .
وَلَمَّا كَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ مَضَتْ بِأَنَّ النِّسَاءَ يُؤْمَرْنَ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدِ حَتَّى الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَكَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ عَامَّةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْعِيدِ جُعِلَ عِيدُهُنَّ فِي الْآخِرَةِ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى مِقْدَارِ عِيدِهِنَّ فِي الدُّنْيَا .
مجموعة الفتاوى — صفحة 420
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٠