فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَيْضاً مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : مُشْتَمِلٌ عَلَى فَنَّيْنِ : الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ وَالثَّانِي الْحَلُّ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَهُ عَالِماً قَادِراً وَيُثْبِتُونَهُ وَاجِباً بِنَفْسِهِ فَاعِلاً لِغَيْرِهِ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَفْهُومَ كَوْنِهِ عَالِماً غَيْرُ مَفْهُومِ الْفِعْلِ لِغَيْرِهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لَزِمَ " التَّرْكِيبُ " الَّذِي ادَّعَوْهُ ؛ وَإِنْ كَانَتْ عَرَضِيَّةً لَزِمَ " الِافْتِقَارُ " الَّذِي ادَّعَوْهُ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ : فَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ .
وَأَمَّا " الْمُنَاقَضَةُ " : فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ فَلَا وَاجِبَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِباً لَمْ يَلْزَمْ مِن التَّرْكِيبِ مُحَالٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْا الْمَعَانِيَ لِاسْتِلْزَامِهَا ثُبُوتَ " التَّرْكِيبِ " الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ ؛ فَإِنَّ نَفْيَ الْمَعَانِي مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ ؛ فَكَيْفَ يَنْفُونَهَا لِثُبُوتِهِ ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ حَقٌّ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ فَاعِلٌ ؛ وَالْمُمْكِنُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُوداً عَالِماً قَادِراً فَاعِلاً .
وَلَيْسَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ؛ بَلْ فِي مَعَانٍ مَعْقُولَةٍ مَعْلُومَةٍ بِالِاضْطِرَارِ .
فَإِنْ كَانَ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ مُسْتَلْزِماً لِمَا بِهِ الِامْتِيَازُ : فَقَدْ صَارَ الْوَاجِبُ مُمْكِناً وَالْمُمْكِنُ وَاجِباً ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِماً : فَقَدْ صَارَ لِلْوَاجِبِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 345
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٥