فَصْلٌ :
وَأَمَّا " حُجَّتُهُمْ الثَّانِيَةُ " وَهِيَ الْعُمْدَةُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ فَتَقْرِيرُهَا : لَوْ كَانَ مَخْلُوقاً لَكَانَ إمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ .
أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ لَا فِي مَحَلٍّ .
وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَحَلّاً لِلْحَوَادِثِ وَهُوَ بَاطِلٌ .
وَالثَّانِي يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الصِّفَةُ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلِّ عَادَ حُكْمُهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا قَامَ بِمَحَلِّ عِلْمٍ أَوْ حَيَاةٍ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ كَمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ إذَا قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ أَوْ أَنَّهُ أَسْوَدُ وَأَبْيَضُ إذَا قَامَ بِهِ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا قِيَامُهُ لَا فِي مَحَلٍّ فَمُمْتَنِعٌ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ .
وَمَعْنَى " هَذِهِ الْحُجَّةِ " أَيْضاً صَحِيحَةٌ وَهِيَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فَقَطْ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة مُطْلَقاً ؛ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة اخْتَارُوا مِنْ " هَذِهِ الْأَقْسَامِ " أَنَّهُ يَخْلُقُهُ فِي مَحَلٍّ .
وَقَالُوا : إنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى خَلَقَ صَوْتاً فِي الشَّجَرَةِ فَكَانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَخْلُوقُ مِن الشَّجَرَةِ هُوَ كَلَامَهُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 315
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٥