قَالُوا : وَ " الْفَلَاسِفَةُ " لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلاً عَلَى قِدَمِ الْأَجْسَامِ ؛ بَلْ أَقَامُوا الْأَدِلَّةَ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ فَاعِلاً وَلَمْ تَزَلْ الْحَرَكَةُ وَالزَّمَانُ مَوْجُودَيْنِ وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَجْمِعٌ لِجَمِيعِ شُرُوطِ الْفَاعِلِيَّةِ فِي الْأَزَلِ فَيَجِبُ اقْتِرَانُ الْفِعْلِ بِهِ .
وَقَالُوا : إنَّهُ يَمْتَنِعُ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ ؛ وَيَمْتَنِعُ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلاً عَنْ الْفِعْلِ ثُمَّ وُجِدَ الْفِعْلُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ قَادِراً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِراً وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ الْفِعْلُ مُمْكِناً بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعاً بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ ؛ فَيَنْتَقِلُ مِن الامْتِنَاعِ الذَّاتِيِّ إلَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ .
وَقَالُوا : كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كَوْنِ الْفَاعِلِ فَاعِلاً إنْ وُجِدَ فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْفِعْلِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ بَقِيَ مُتَوَقِّفاً عَلَى شَرْطٍ آخَرَ ؛ وَنَحْنُ قُلْنَا : كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كَوْنِ الْفَاعِلِ فَاعِلاً قَدْ وُجِدَ فِي الْأَزَلِ وَإِنْ قِيلَ : قَدْ وُجِدَ كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ كَوْنِ الْفَاعِلِ فَاعِلاً وَمَعَ هَذَا لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ ؛ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ لَزِمَ تَرْجِيحُ وُجُودِ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ تَامٍّ : فَإِنَّ الْمُرَجِّحَ التَّامَّ يَجِبُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الرُّجْحَانُ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الرُّجْحَانُ : فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ ؛ وَالْمُمْكِنُ يَفْتَقِرُ إلَى الْمُرَجِّحِ فَمَا دَامَ مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ : وَإِذَا حَصَلَ الْمُرَجِّحُ التَّامُّ وَجَبَ وُجُودُهُ وَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مُمْكِنُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 305
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٥