تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الْجَهْلُ فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَعَهُمْ عَقْلِيَّاتٌ وَإِنَّمَا مَعَهُمْ جهليات : { كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } . هَذَا هُوَ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ وَحِيرَةٍ فَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ . أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ نُورِ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } . فَإِنْ قِيلَ : أَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ يَدْخُلُ فِي " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " فَظَاهِرٌ . فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَأَمَّا " الْإِرَادَةُ " وَ " الْمَحَبَّةُ " وَ " الرِّضَا " وَ " الْغَضَبُ " فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ نَفْسَ " الْإِرَادَةِ " هِيَ الْمَشِيئَةُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا خَلَقَ مَنْ يُحِبُّهُ كَالْخَلِيلِ فَإِنَّهُ يُحِبُّهُ وَيُحِبُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحِبُّونَهُ وَكَذَلِكَ إذَا عَمِلَ النَّاسُ أَعْمَالاً يَرَاهَا وَهَذَا لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ . قِيلَ : كُلُّ مَا كَانَ بَعْدَ عَدَمِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ؛ فَمَا شَاءَ وَجَبَ كَوْنُهُ وَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَمَا لَمْ يَشَأْهُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
مجموعة الفتاوى — صفحة 244 | ابن تيمية