قَابِلاً لِتِلْكَ الصِّفَةِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ الْمُمْتَنِعُ .
وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ عَلَى عَامَّةِ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَبَيَّنَّا فَسَادَهُ وَتَنَاقُضَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا تَبْقَى فِيهِ شُبْهَةٌ لِمَنْ فَهِمَ هَذَا الْبَابَ .
وَفُضَلَاؤُهُمْ - وَهُمْ الْمُتَأَخِّرُونَ : كالرَّازِي والآمدي والطوسي وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِهِمْ - مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ ؛ بَلْ ذَكَرَ الرَّازِي وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَلْزَمُ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ وَنَصَرَهُ فِي آخِرِ كُتُبِهِ : " كَالْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " - وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ كُتُبِهِ الْكَلَامِيَّةِ الَّذِي سَمَّاهُ " نِهَايَةَ الْعُقُولِ فِي دِرَايَةِ الْأُصُولِ " - لَمَّا عَرَفَ فَسَادَ قَوْلِ الْنُّفَاةِ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى ذَلِكَ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " .
فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " إذَا قَالُوا : لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ - قَالُوا - لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ حُلُولَ الْحَوَادِثِ ؛ فَلَمَّا عَرَفَ فَسَادَ هَذَا الْأَصْلِ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى ذَلِكَ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " .
فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ عَلَيْهِ ؛ بَلْ اسْتَدَلَّ بِإِجْمَاعِ مُرَكَّبٍ وَهُوَ دَلِيلٌ ضَعِيفٌ إلَى الْغَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي نَصْرِ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة غَيْرُهُ ؛ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ وَأَمْثَالُهُ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة .
وَكَذَلِكَ " الآمدي " ذَكَرَ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " مَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا جَوَابَ عَنْهُ وَقَدْ كَشَفْت هَذِهِ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعَ ؛ وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى الْحِلِيُّ بْنُ الْمُطَهَّرِ ذَكَرَ فِي كُتُبِهِ أَنَّ الْقَوْلَ بِنَفْيِ " حُلُولِ الْحَوَادِثِ " لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَالْمُنَازِعُ جَاهِلٌ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 221
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢١