فَنَفَى مُمَاثَلَةَ هَؤُلَاءِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ : إنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ تُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَا يُشَارُ إلَيْهِ مِثْلُ كُلِّ مَا يُشَارُ إلَيْهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } { إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ } { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَكِلَاهُمَا بَلَدٌ ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَهُوَ مِثْلٌ لِكُلِّ جِسْمٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } .
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٌ وَقَالَ : مَا إنْ كَمِثْلِهِمْ فِي النَّاسِ مِنْ بَشَرٍ وَلَمْ يَقْصِدْ هَذَا أَنْ يَنْفِيَ وُجُودَ جِسْمٍ مِن الأَجْسَامِ .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ " التَّشَابُهِ " لَيْسَ هُوَ التَّمَاثُلَ فِي اللُّغَةِ قَالَ تَعَالَى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً } وَقَالَ تَعَالَى { مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } وَلَمْ يُرِدْ بِهِ شَيْئاً هُوَ مُمَاثِلٌ فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا كَوْنَ الْجَوَاهِرِ مُتَمَاثِلَةً فِي الْعَقْلِ أَوْ لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً ؛ فَإِنَّ هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ ؛ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَا يَجْعَلُونَ مُجَرَّدَ هَذَا مُوجِباً لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمِثْلِ ؛ وَلَا يَجْعَلُونَ نَفْيَ الْمِثْلِ نَفْياً لِهَذَا فَحَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى الْقُرْآنِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 113
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٣