الْأَعْرَاضِ مُمْتَنِعٌ فَمَنْ قَدَّرَ إمْكَانَ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا صِفَةَ لَهُ فَقَدَ قَدَّرَ مَا لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ وَلَا يُعْلَمُ إمْكَانُهُ فِي الْخَارِجِ فَكَيْفَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الذِّهْنِ .
وَكَلَامُ نفاة الصِّفَاتِ جَمِيعُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ثُبُوتَهُ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ فَرْضُهُ فِي الْعَقْلِ فَالْعَقْلُ يُقَدِّرُهُ فِي نَفْسِهِ كَمَا يُقَدِّرُ مُمْتَنِعَاتٍ لَا يُعْقَلُ وُجُودُهَا فِي الْوُجُودِ وَلَا إمْكَانُهَا فِي الْوُجُودِ .
وَأَيْضاً " فَالرَّبُّ تَعَالَى " إذَا كَانَ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُمْكِناً - وَمَا أَمْكَنَ لَهُ وَجَبَ - امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَسْلُوباً صِفَاتِ الْكَمَالِ فَفَرْضُ ذَاتِهِ بِدُونِ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُ فَرْضٌ مُمْتَنِعٌ .
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ فَرْضُ عَدَمِ هَذَا مُمْتَنِعاً عُمُوماً وَخُصُوصاً : فَقَوْلُ الْقَائِلِ : يَكُونُ مُفْتَقِراً إلَيْهَا وَتَكُونُ مُفْتَقِرَةً إلَيْهِ إنَّمَا يُعْقَلُ مِثْلُ هَذَا فِي شَيْئَيْنِ .
يُمْكِنُ وُجُودُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا بَطَلَ هَذَا التَّقْدِيرُ .
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : مَا تَعْنِي بِالِافْتِقَارِ ؟ أَتَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ تَكُونُ فَاعِلَةً لِلصِّفَاتِ مُبْدِعَةً لَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ ؟ أَمْ تَعْنِي التَّلَازُمَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالْآخَرِ ؟ فَإِنْ عَنَيْت افْتِقَارَ الْمَفْعُولِ إلَى الْفَاعِلِ فَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الرَّبَّ لَيْسَ بِفَاعِلِ لِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ بَلْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أَفْعَالِهِ وَمَفْعُولَاتِهِ .
فَكَيْفَ تَجْعَلُ صِفَاتِهِ مَفْعُولَةً لَهُ وَصِفَاتُهُ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَيْسَتْ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ ؟ وَإِنْ عَنَيْت التَّلَازُمَ فَهُوَ حَقٌّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 100
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٠