قَالَ : ثَنَا عَنْ عَبْدِ الْمُنْعِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ { أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا نُودِيَ مِن الشَّجَرَةِ { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } أَسْرَعَ الْإِجَابَةَ وَتَابَعَ التَّلْبِيَةَ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا اسْتِئْنَاساً مِنْهُ بِالصَّوْتِ وَسُكُوناً إلَيْهِ .
وَقَالَ : إنِّي أَسْمَعُ صَوْتَك وَأَحُسُّ حِسَّك وَلَا أَدْرِي مَكَانَك فَأَيْنَ أَنْتَ ؟ .
قَالَ : أَنَا فَوْقَك وَأَمَامَك وَخَلْفَك وَمُحِيطٌ بِك وَأَقْرَبُ إلَيْك مِنْ نَفْسِك } يُرِيدُ أَنِّي أَعْلَمُ بِك مِنْك ؛ لِأَنَّك إذَا نَظَرْت إلَى مَا بَيْنَ يَدَيْك خَفِيَ عَلَيْك مَا وَرَاءَك وَإِذَا سَمَوْت بِطَرْفِك إلَى مَا هُوَ فَوْقَك ذَهَبَ عَنْك عِلْمُ مَا تَحْتَك وَأَنَا لَا يَخْفَى عَلَيَّ خَافِيَةٌ مِنْك فِي جَمِيعِ أَحْوَالِك .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ رَابِعَةَ الْعَابِدَةِ العدوية قَالَتْ : شَغَلُوا قُلُوبَهُمْ عَنْ اللَّهِ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَلَوْ تَرَكُوهَا لَجَالَتْ فِي الْمَلَكُوتِ ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِمْ بِطَرْفِ الْفَائِدَةِ وَلَمْ تُرِدْ أَنَّ أَبْدَانَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ تَجُولُ فِي السَّمَاءِ بِالْحُلُولِ ؛ وَلَكِنْ تَجُولُ هُنَاكَ بِالْفِكْرِ وَالْقَصْدِ وَالْإِقْبَالِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي ممندية الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : اطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت الشُّعَرَاءَ لَهُمْ كظيظ يَعْنِي الْتِقَاءً وَأَنْشَدَ فِيهِ : - جِيَادٌ بِهَا صَرْعَى لَهُنَّ كظيظ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اطَّلَعْت فِي الْجَنَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 408
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠٨