وَالنُّزُولُ مِنَّا يَكُونُ بِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ كَنُزُولِك مِن الجَبَلِ إلَى الْحَضِيضِ وَمِن السَّطْحِ إلَى الدَّارِ .
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ : إقْبَالُك إلَى الشَّيْءِ بِالْإِرَادَةِ وَالنِّيَّةِ .
كَذَلِكَ الْهُبُوطُ وَالِارْتِفَاعُ وَالْبُلُوغُ وَالْمَصِيرُ وَأَشْبَاهُ هَذَا مِن الكَلَامِ .
وَمِثَالُ ذَلِكَ إنْ سَأَلَك سَائِلٌ عَنْ مَحَلِّ قَوْمٍ مِن الأَعْرَابِ - وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْمَصِيرَ إلَيْهِمْ - فَتَقُولُ لَهُ : إذَا صِرْت إلَى جَبَلِ كَذَا فَانْزِلْ مِنْهُ وَخُذْ يَمِيناً وَإِذَا صِرْت إلَى وَادِي كَذَا فَاهْبِطْ فِيهِ ثُمَّ خُذْ شِمَالاً وَإِذَا سِرْت إلَى أَرْضِ كَذَا فَاعْلُ هَضْبَةً هُنَاكَ حَتَّى تُشْرِفَ عَلَيْهِمْ ؛ وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقُولُهُ افْعَلْهُ بِبَدَنِك إنَّمَا تُرِيدُ افْعَلْهُ بِنِيَّتِك وَقَصْدِك .
وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ : بَلَغْت إلَى الْأَحْزَابِ تَشْتُمُهُمْ وَصِرْت إلَى الْخُلَفَاءِ تَطْعَنُ عَلَيْهِمْ وَجِئْت إلَى الْعِلْمِ تَزْهَدُ فِيهِ وَنَزَلْت عَنْ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ إلَى الدَّنَاءَةِ ؛ لَيْسَ يُرَادُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا انْتِقَالَ الْجِسْمِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ بِالْإِرَادَةِ وَالْعَزْمِ وَالنِّيَّةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مَعَهُمْ بِالْحُلُولِ ؛ وَلَكِنْ بِالنَّصْرِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْحِيَاطَةِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً تَقَرَّبْت مِنْهُ ذِرَاعاً وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعاً وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 407
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠٧