تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وَلِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : الْمَلَائِكَةُ صَمَدٌ وَالْآدَمِيُّونَ جَوْفٌ . وَهَذَا أَيْضاً دَلِيلٌ آخَرُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ - وَهُمْ مَخْلُوقُونَ مِن النُّورِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " { خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ نَارٍ ؛ وَخُلِقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ } " فَإِذَا كَانُوا مَخْلُوقِينَ مِنْ نُورٍ ؛ وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ ؛ بَلْ هُمْ صَمَدٌ لَيْسُوا جَوْفاً كَالْإِنْسَانِ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ وَيَسْمَعُونَ وَيُبْصِرُونَ وَيَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا تُمَاثِلُ صِفَاتُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ وَفِعْلَهُ ؛ فَالْخَالِقُ تَعَالَى أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لِمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ مُبَايَنَةِ الْمَلَائِكَةِ لِلْآدَمِيِّينَ ؛ فَإِنَّ كِلَيْهِمَا مَخْلُوقٌ . وَالْمَخْلُوقُ أَقْرَبُ إلَى مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِ مِن المَخْلُوقِ إلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَكَذَلِكَ " رُوحُ ابْنِ آدَمَ " تَسْمَعُ وَتُبْصِرُ وَتَتَكَلَّمُ وَتَنْزِلُ وَتَصْعَدُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ صِفَاتُهَا وَأَفْعَالُهَا كَصِفَاتِ الْبَدَنِ وَأَفْعَالِهِ . فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ : إنَّ صِفَاتِ الرُّوحِ وَأَفْعَالَهَا مِثْلُ صِفَاتِ الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ الْجَسَدُ وَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِهِ وَهُمَا جَمِيعاً الْإِنْسَانُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رُوحُ الْإِنْسَانِ مُمَاثِلاً لِلْجِسْمِ الَّذِي هُوَ بَدَنُهُ ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ مِثْلَ الْجِسْمِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ؟ ! فَإِنْ أَرَادَ النَّافِي الْتِزَامَ أَصْلِهِ ؛ وَقَالَ : أَنَا أَقُولُ لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ ؛ بَلْ