وَمِن المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ ؛ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ : إمَّا مُمْكِنٌ وَمُحْدَثٌ ؛ وَإِمَّا وَاجِبٌ وَقَدِيمٌ .
وَالْمُمْكِنُ الْمُحْدَثُ لَا يُوجَدُ إلَّا بِوَاجِبِ قَدِيمٍ فَإِذَا كَانَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ الْقَدِيمِ وَنَفْيُ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْجُودِ مُطْلَقاً ؛ عُلِمَ أَنَّ مَنْ عَطَّلَ شَيْئاً مِن الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ كَانَ قَوْلُهُ مُسْتَلْزِماً تَعْطِيلَ الْمَوْجُودِ الْمَشْهُودِ .
وَمِثَالُ ذَلِكَ : أَنَّهُ إذَا قَالَ : النُّزُولُ وَالِاسْتِوَاءُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ النُّزُولُ وَالِاسْتِوَاءُ إلَّا لِجِسْمِ مُرَكَّبٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ ؛ فَيَلْزَمُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْمَلْزُومِ .
أَوْ قَالَ ؛ هَذِهِ حَادِثَةٌ وَالْحَوَادِثُ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ مُرَكَّبٍ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : الرِّضَا وَالْغَضَبُ وَالْفَرَحُ وَالْمَحَبَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ .
فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ : وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ : مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّا كَمَا لَا نَعْقِلُ مَا يَنْزِلُ وَيَسْتَوِي وَيَغْضَبُ وَيَرْضَى إلَّا جِسْماً ؛ لَمْ نَعْقِلْ مَا يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيُرِيدُ وَيَعْلَمُ وَيُقَدِّرُ إلَّا جِسْماً .
فَإِذَا قِيلَ : سَمْعُهُ لَيْسَ كَسَمْعِنَا وَبَصَرُهُ لَيْسَ كَبَصَرِنَا وَإِرَادَتُهُ لَيْسَتْ كَإِرَادَتِنَا وَكَذَلِكَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ : قِيلَ لَهُ : وَكَذَلِكَ رِضَاهُ لَيْسَ كَرِضَانَا وَغَضَبُهُ لَيْسَ كَغَضَبِنَا وَفَرَحُهُ لَيْسَ كَفَرَحِنَا وَنُزُولُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ لَيْسَ كَنُزُولِنَا وَاسْتِوَائِنَا .
مجموعة الفتاوى — صفحة 352
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٢